أسطوره بناء 

يشرق الدمع على ضفاف الجفون, جفون الرجال الذين كانوا نتاج بناء ذالك العظيم المتواضع, الشاكر الصابر. لم اعرفه حقا إلا عندما أصر على الفراق, واختار البقاء. أشرق الدمع, فوقفت أتمايل برأسي يمينه و يسره, تكاثر الدمع على الجفن, أصبح ثقيلا, لم تستطع العين احتواءه فسقطت دمعه و تلتها دمعه. كان أول وداع حقيقي, و كان أول لقاء حقيقي مع رجل نائم كما يصفه الصغار. من هناك أحضروه إلى الغرفة التي غسلوه فيها, في بيته الذي بناه, في الطابق الأول, حيث نام ولم يحرك ساكنا و هو الرجل الذي وقف على قدميه حتى آخر يوم, تساءلت كيف؟. لم يعرفه الناس إلا صاحب فضل, و لا متفضل عليه إلا الله. وقفت على باب تلك الغرفة التي ما ابتعدت عنا إلا عندما ابتعد. وقفت و شوق اللقاء يغمرني, و أنا الذي لم أفارقه, فكيف اشتاق!.

فتحت الغرفة, كان الكل ينتظر, و الكل مشتاق, و العيون ملئي بالدموع شوقا, لم اسمع صراخا وإنما أصوات أنفاس الحضور تخرج من القلوب حبا, كنت أول من دخل الغرفة و قبل رأس الرجل الذي ما عاش لنفسه بل للآخرين. رفعت رأسي فوجدت قوما كلهم أقربائي, أما إبراهيم فأبونا جميعا.       

قليله هي الكلمات التي أخذت في القلب حيزا, كلمات علمتني ما لم أكن لأتعلمه في مدارس و جامعت أخذت من عمر عمرا. كلمات تكلمنها أرحام إبراهيم, قلوبهن كن المنبع; أما العيون, فذرفت دمعات حزن ممزوجة بفرحه لقاء أحباب غيبوا لأكثر من عقد من الزمان. و يداها تمسح على رأسه الذي ملء الدار نورا وبركه, و عيناها تذرف دمعات حزن و فرح, و الجميع واقفون و يجهلون الهوية, كيف لا وسنين الفراق تجاوز عقد الزمان, قالت:”أنا التي تيتمت مرتين” , أنا فلانة يا عمتي, و كان الله في عون العمة, لم يبقى من نسل حسين إلا هي. و الأخرى وقفت داعية للذي لم يقطعها, أما أنا, فوقفت أصغى إلي كلام تنطق به القلوب, تمنيت أن أكون إبراهيم, كنت خائف من الذي أتمناه ولكن عظمه الموقف أعظم من أن يفوت لبيب.

في صباح ذات اليوم, ذهبت, و كنت واحد من عشره, إلى الشرقية التي وري فيها الشقيق أحمد.  ذهبت لأصنع لإبراهيم ما صنعت لأحمد, ولكن كان ذالك الرجل العجوز, قام هو بالمهمة, أما نحن, حاولنا مره, و مرتين, ولكن لم نستطع. عدنا إلى البيت, وقفت أمام البناء, في هذه اللحظة لم أعرف قريبا ولا بعيدا إلا وقد حضر, حضر للقاء, وحضر للوداع. في مسجد الرحمة في الجنوب كانت آخر لحظات الوداع, لم يعهد المسجد مثل هذه الجمعة. وقف الخطيب فإذا به أحد التلاميذ, كان لبنه بناء أسطوري, لم تخلو خطبته من الدعاء لذالك الرجل النحيف, خفيف الوزن, راجح العقل, عظيم العمل.

عاده ما تحضر الحافلات الكبيرة في الأفراح لنقل المهنئين, ولكن في التاسع و العشرون من يوليو, وقفت حافلتان على باب الرحمة, فعجبت!, لمن هذه؟. خرج معظم من صلى في الرحمة, امتلأت الحافلات, المركبات, و غيرها من وسائل المواصلات, ليشاركوا في وداع الرجل, صاحب الفضل. سار الموكب, وصل أوله إلى الشرقية و لم يبعد آخره عن الرحمة. هذا مشهد واحد من مشاهد الكرامة, و غيرها كثير.

كنت من الذين ركبوا مع إبراهيم, نقود الموكب, حاولت أن أري آخر المكب, ولكن العظمة حالت بيني و بين مرادي, فتوجهت أنضاري إلى من حولي, كان الصمت يسود, أما عيونهم, فمثقله بالدموع, لم يتخلف احد رغم الحر الشديد, أما العيون المثقلة بالدموع, يغطيها أصحابها, و لكنى كنت أرى الحزن ظاهر على القلوب.

رجع الجميع في الاتجاه الشمالي الغربي من الشرقية, أما الجد الحبيب, ضل لينام ليلته الأولى وحيدا هناك. وتبقى إشراقه الدمع فوق جفونهم, و أقدامهم تخطوا خطاها مغادره المكان الذي سننام فيه جميعنا إن عاجلا أم آجلا. أما هو, فنام بسلام, وترك خلفه سلاما و حبا, ونحن المساكين, مازلنا نلهف خلف المتاعب, أو ربما خلاف هذا.

اللهم اغفر له و ارحمه برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم تجاوز عنه, اللهم غسله بالماء و الثلج و البرد, اللهم اجعل مثواه الجنة, اللهم وباعد بينه وبين النار, اللهم ألطف به, اللهم اجمعنا به في الجنة.

اللهم صلى و سلم و بارك على النبي الأعظم و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.        

Advertisements